السيد نعمة الله الجزائري
219
الأنوار النعمانية
منزلنا في الصباغيّة في نهر المدك فرحوا أهلي وذلك انّ أخي تقدمني بالمجيء من بغداد ولمّا رأته والدتي خطر ببالها الخواطر من جانبي وانّه ما تأخر الا لقضية حادثته فبقيت في الجزائر مع أخي في الصباغيّة ثلاثة اشهر وشرعت في شرح تهذيب الحديث هناك ، ثم انتقلنا إلى نهر الصالح فرأينا أهلها اخيار صلحاء وعلماؤها من أهل الإيمان منزّهين عن النفاق والحسد فأحسن كلّهم الينا احسانا كاملا فبقينا هناك ستة اشهر أو أكثر وبنوا لنا مسجدا جامعا كان من الأوّل يصلي فيه شيخنا الأجل خاتمة المجتهدين الشيخ عبد النبي الجزائري وكنّا نصلي فيه جماعة لا جمعة . ثمّ ان السلطان محمد بعث عساكره إلى سلطان البصرة إلى انّه يخرب الجزائر والبصرة وينقل أهلها إلى مكان اسمه سحاب قريب الجويزة فانتقلنا كلّنا إليها ووضع عسكره في قلعة القرنة وجلس هو مع أهل الجزائر في سحاب وكان يجيء إلى عندنا ، فإذا جاء وضعوا له في الصحراء عباءة وإذا اتيت اليه قام وأجلسني معه على تلك العباءة وكان يظهر المحبة والود لي كثيرا ، فلما قرب الينا عساكر السلطان محمد وحصروا القلعة كانوا يرمونها كل يوم ألف مدفع أو أقل وكانت الأرض ترجف من تحتنا هذا وانا مشغول في تأليف شرح التهذيب فبعثت العيال وأكثر الكتب مع أخي إلى الحويزة وبقيت انا وكتبا لتاليف . ثماني طلبت الأذنمن السلطان في السفر إلى الحويزة فلم يأذن لي وقال : إذا خرجت أنت من بيننا ما يبقى معي أحد فبقينا في الحصار أربعة اشهر تقريبا فاتى شهر اللّه رمضان فسافرت إلى الحويزة ، وكنت انتظر الأخبار فلمّا كان ليلة الحادية عشر من ذلك الشهر وهي ليلة الجمعة خاف سلطان البصرة من خيانة عسكره وفرّ هاربا إلى الدورق ، فبلغ الخبر أهل الجزائر طلوع فجر يوم الجمعة ففرّت النساء والرجال والأطفال والشيوخ والعميان وكلّ من كان في ذلك الأقليم طالبين الحويزة وبينهم وبينها مسيرة ثلاثة أيام لكنها مفازة لا فيها ماء ولا كلاء بل ارض يابسة فمات من أهل الجزائر في تلك المفازة عطشا وجوعا وخوفا ما لا يحصى عددهم الا اللّه تعالى وكذلك العسكر الذي في القرنة قتل منه أيضا خلق كثير . والحاصل انّ من شاهد تلك الواقعة عرف أحوال يوم القيامة وامّا سلطان الحويزة قدس اللّه روحه وهو السيد علي خان فأرسل عساكر لاستقبال أهل الجزائر وارسل لهم ماء وطعاما جزاه اللّه عنهم كلّ خير ، ثمّ اننا أقمنا عنده في الحويزة شهرين تقريبا وسافرنا إلى أصفهان لكن من طريق شوشتر فلمّا وصلنا شوشتر رأينا أهلها من أهل الصلاح والفقر ويودّون العلماء ، وكان فيهم رجل سيّد من أكابر السادة اسمه ميرزا عبد اللّه فاخذنا إلى منزله وعيّن لنا كلما نحتاج اليه والآن هو قد مضى إلى رحمة اللّه لكنّه اعقب ولدين السيّد شاه مير والسيد محمد مؤمن وفيهما من